ابن عجيبة
79
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
متاعا لروحه وسره ، وللسيارة من أبناء جنسه ، يطعمهم من تلك الأسرار ، بالهمة أو الحال أو التذكار ، واتقوا اللّه في الاشتغال بما سواه ، الذي إليه تحشرون ، فيدخلكم جنة المعارف قبل جنة الزخارف . واللّه تعالى أعلم . ولما عظّم شأن الحرم عظّم شأن الكعبة ، فقال : [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 97 إلى 99 ] جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ ذلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 97 ) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 98 ) ما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ ( 99 ) قلت : ( البيت الحرام ) : عطف بيان على جهة المدح ، و ( قياما ) : مفعول ثان . يقول الحق جل جلاله : جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ التي هي الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ أي : سبب انتعاشهم ، يقوم بها أمر معاشهم ومعادهم ، يلوذ به الخائف ، ويأمن فيه الضعيف ، ويربح فيه التجار ، ويتوجه إليه الحجاج والعمار ، أو يقوم به أمر دينهم بالحج إليه ، وأمر دنياهم بأمن داخله ، وتجبى ثمرات كل شئ إليه . قال القشيري : حكم اللّه - سبحانه - بأن يكون بيته اليوم ملجأ يلوذ به كل مؤمّل ، ويستقيم ببركة زيارته كلّ حائد عن نهج الاستقامة ، ويظفر بالانتقال هناك كل ذي أرب . ه . وَالشَّهْرَ الْحَرامَ جعله اللّه أيضا قياما للناس ؛ والمراد به ذو الحجة ، فهو قيام لمناسك الحج ، وجمع الوجود إليه بالأموال من كل جانب ، أو الجنس ، وهي أربعة : ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب ، لأنهم كانوا يكفون عن القتال ، ويأمن الناس فيها في كل مكان ، وَالْهَدْيَ ؛ لأنه أمان لمن يسوقه ؛ لأنه لم يأت لحرب ، وَالْقَلائِدَ ، كان الرجل إذا خرج يريد الحج تقلد شيئا من السمر « 1 » ، وإذا رجع تقلد شيئا من شجر الحرم ؛ ليعلم أنه كان في عبادة ، فلا يتعرض له أحد بشر ، فالقلائد هنا : ما تقلده المحرم من الشجر ، وقيل : قلائد الهدى . ذلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أي : جعل ذلك الأمور ، قياما للناس ؛ لتعلموا أن اللّه يعلم تفاصيل الأمور ، فشرع ذلك دفعا للمضار وجلبا للمنافع ، وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ لا يخفى عليه محل مصالح عباده ومضارهم ، وهو تعميم بعد تخصيص ، ومبالغة بعد إطلاق .
--> ( 1 ) السمر - بضم الميم والراء : ضرب من الشجر ، صغار الورق قصار الشوك .